في اليوم الدولي للتعددية والدبلوماسية من أجل السلام
الدكتورة رانيا المشاط تكتب: لحظة فارقة للتعاون الإنمائي متعدد الأطراف
بقلم الدكتورة رانيا المشاط
لطالما آمنت بأهمية التعاون متعدد الأطراف منذ أن كنت طالبة أدرس الاقتصاد، ثم كمشاركة في مواقع المسؤولية المختلفة، أسهمتُ في تطوير التعاون الإنمائي، بحسب ما نشرته الدكتورة رانيا المشاط وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) في منشور عبر حسابها على منصة "لينكد إن".
ومع احتفال الأمم المتحدة باليوم الدولي للتعددية والدبلوماسية من أجل السلام، أجد نفسي أتأمل الوضع الحالي للتعاون متعدد الأطراف الذي يخضع لاختبارات كبيرة تؤكد أهميته، وكذلك مستقبله في ضوء هذه التحولات، بعد اجتماعات الربيع الأخيرة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
إن أهمية التعاون متعدد الأطراف لم تعد محل نقاش، لكن الحقيقة الواضحة أنه يخضع لاختبار حقيقي في وقت يتجه فيه العالم نحو حالة من الاستقطاب والانقسام، وحالة من عدم اليقين تزداد يومًا بعد يوم.
على مدار الأشهر الماضية، شاركت في العديد من المحافل الدولية في باكو، وهونج كونج، ونيويورك، وواشنطن، والرباط، وكانت جميعها تناقش الوضع الحالي للتعاون الدولي، لكننا نحتاج في هذا التوقيت إلى سعي حثيث نحو التنفيذ وإظهار النتائج، لا الاكتفاء بالمناقشات. إن الحاجة إلى التعاون الدولي باتت أكثر إلحاحًا وأكثر تعقيدًا في الوقت ذاته، ومن دونه لن نستطيع التغلب على التحديات التي تواجه الوضع الاقتصادي العالمي، والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، والتحولات المستمرة في التجارة العالمية، وارتفاع تكلفة التمويل، وتداخل الأزمات.
إحياء التعاون متعدد الأطراف
وفي ظل الاحتفاء باليوم الدولي للتعددية والدبلوماسية من أجل السلام، يجب أن نضع في أذهاننا حقيقة راسخة، هي أنه لن تتمكن دولة بمفردها من مواجهة تحديات اليوم. ومن خلال مبادرات مثل "تحالف مستقبل التعاون الإنمائي"، يتزايد الإدراك بأن التعاون الإنمائي في حاجة إلى التطور، ليصبح أكثر مرونة، وأكثر توافقًا مع أولويات الدول، وأكثر ارتباطًا برأس المال الخاص والنتائج الاقتصادية الفعلية، مع التركيز على قيادة الدولة التي أصبحت أمرًا حاسمًا في التعاون متعدد الأطراف. فعندما يرتكز التعاون على الأولويات الوطنية، ويدعمه إطار مؤسسي ومنصات منظمة جيدًا، فإنه يتحول من مجرد تنسيق إلى تنفيذ فعلي. وقد رأينا ذلك عمليًا من خلال تجارب العديد من الدول، التي تنجح في مواءمة العمل مع الشركاء، وحشد التمويل على نطاق واسع، وتحويل الأجندات العالمية إلى نتائج ملموسة. وهنا أتذكر كيف نجحنا في المنصة الوطنية لبرنامج «نُوفّي»، محور الارتباط بين مشروعات المياه والغذاء والطاقة، في توظيف الشراكات الدولية لحشد التمويل المناخي لتسريع التحول الأخضر في مصر، وهو ما أدى إلى تعبئة 4 مليارات دولار للقطاع الخاص في قطاع الطاقة المتجددة. وقد انطلقت كل هذه الرؤية من كتابي المعنون: «مبادئ الدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز التعاون الدولي والتمويل الإنمائي»، الصادر عن كلية لندن للاقتصاد في يونيو 2021.
من العالمي إلى الإقليمي: دور الإسكوا
وفي هذا السياق، تكتسب المنصات الإقليمية أيضًا دورًا متزايد الأهمية في الربط بين الأولويات العالمية والواقع الوطني للدول. ومع انتقالي إلى دوري الجديد في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، فإن هذه المنطقة تضم مجموعة متنوعة من الدول، 21 دولة عضوًا، لكل منها ظروفها الخاصة، لكنها جميعًا تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية مشتركة، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي ليس مجرد أمرًا مهمًا، بل ضرورة حقيقية. فعلى هذا المستوى يمكن ترجمة الأطر العالمية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ويمكن للدول تبادل الخبرات، ويمكن أن تنشأ حلول مصممة وفقًا لخصوصية كل حالة. إن تعزيز هذا الربط بين الطموح العالمي والتنفيذ الوطني عبر المنصات الإقليمية سيكون عنصرًا حاسمًا لتحقيق تعاون دولي أكثر فاعلية واستجابة.
ومن الملاحظات المهمة أيضًا في الفترة الأخيرة أننا نشهد صعود مبادرات إقليمية وقائمة على قضايا محددة لسد الفجوات القائمة. وهذه المبادرات ليست بديلًا عن التعاون الدولي متعدد الأطراف، لكنها مؤشر واضح على أن النظام يجب أن يتكيف بوتيرة أسرع حتى يظل فعالًا.
مزيد من الاعتماد المتبادل
وفي الوقت نفسه، يجب أن يتجاوز التعاون متعدد الأطراف فكرة الجهود المتوازية، إلى المزيد من العمل المشترك أو ما نسميه أطر الاعتماد المتبادل، التي تتيح المزيد من التكامل بين المؤسسات. والمطلوب هو انتقال أكثر وضوحًا نحو الاعتماد المتبادل، بحيث تبني المؤسسات على نقاط قوة بعضها البعض، وتعمل على تبسيط الإجراءات، وتؤدي دورها كنظام متكامل بدلًا من جزر منفصلة. فالضغوط التي يواجهها العالم على صعيد المناخ، وارتفاع الديون، واتساع فجوات عدم المساواة، سيُقاس فيها مدى أهمية النظام الدولي بقدرته على توفير المنافع العامة العالمية، سواء في الطاقة، أو الصحة، أو الاستقرار المالي. وهذا يتطلب تنويعًا في الجهود وتكاملًا في الآليات، مثل التعاون بين بنوك التنمية متعددة الأطراف، والتمويل المختلط، والإقراض القائم على السياسات، والتنسيق على مستوى الدول، وحشد رأس المال الخاص، وأطر التمويل المشترك، ومبادلات الديون، وغيرها، وكذلك تعزيز جهود أمن الطاقة، فلا تنمية بدون طاقة. وفي هذا الصدد، وفي ضوء البيئة الجيوسياسية المعقدة، تأتي اللجنة الدولية رفيعة المستوى لتحقيق وفرة الطاقة للجميع، التي أطلقها مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، التابع لكلية الشؤون الدولية والعامة، بالشراكة مع مؤسسة روكفلر، والتي تسهم في بلورة حلول عملية من خلال التعاون متعدد الأطراف لأزمات الطاقة العالمية.
نقطة تحول للتعاون الدولي
إن التعاون الدولي يمر بنقطة تحول عالمية، ففي عام 2024، وخلال قمة المستقبل بالأمم المتحدة، اعتمد القادة «ميثاق المستقبل». وفي عام 2025، وخلال مؤتمر تمويل التنمية، تم إطلاق «منصة إشبيلية للعمل»، التي تضم أكثر من 130 مبادرة لتسريع تمويل التنمية المستدامة. وفي الوقت نفسه، كان البنك الدولي يقود أيضًا إصلاحات بنوك التنمية متعددة الأطراف استنادًا إلى خارطة طريق مجموعة العشرين، بهدف بناء مؤسسات «أفضل، وأكبر، وأكثر فاعلية»، من خلال توسيع القدرة على الإقراض (رأس المال المختلط)، وحشد الاستثمارات الخاصة، ومواجهة تغير المناخ، وتحسين الكفاءة التشغيلية، بما يسهم في زيادة التمويل الموجه لأهداف التنمية المستدامة بتريليونات من الدولارات. لكن في النهاية، فإن مستقبل التعاون متعدد الأطراف والتعاون الدولي لن يتحدد بالأطر النظرية، بل بالنتائج، وبمدى قدرتنا على الاستجابة بسرعة وعلى نطاق واسع للتحديات التي تواجهها الدول.
إنها لحظة لإعادة التفكير، لكنها أيضًا لحظة للعمل.


